الشيخ عبد الغني النابلسي
306
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
فِي الْأَسْواقِ [ الفرقان : 7 ] ، وقالوا : ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ ( 34 ) [ المؤمنون : 33 - 34 ] ، وقالوا : إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً [ المؤمنون : 38 ] ، وقالوا لرسلهم : ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ [ يس : 15 ] مع أن القائلين من العقلاء البالغين والمقول لهم ذلك من أكمل أهل الأنوار الإلهية وأفضل أولى الصفوة والخصوصية ، فكيف بمن دونهم من أهل الولاية والوراثة المحمدية إلا لمن كشف اللّه تعالى عن بصيرته من الناس فأدرك مقامات الرجال وميز مراتب أهل الكمال كما وفق اللّه تعالى في الزمان السابق جماعة للإيمان بالأنبياء عليهم السلام فجعلهم عمدة في نقل الحق والشرع وتبليغه بعدهم للأمم المؤمنين بهم . * * * فما من عارف باللّه من حيث التّجلّي الإلهيّ إلّا وهو على النّشأة الآخرة : قد حشر في دنياه ونشر من قبره ؛ فهو يرى ما لا يرون ويشهد ما لا يشهدون ، عناية من اللّه تعالى ببعض عباده في ذلك . فمن أراد العثور على هذه الحكمة الإلياسيّة الإدريسيّة الّذي أنشأه اللّه نشأتين ، فكان نبيّا قبل نوح عليه السّلام ، ثمّ رفع ونزل رسولا بعد ذلك ، فجمع اللّه له بين المنزلتين فلينزل عن حكم عقله إلى شهوته ، وليكن حيوانا مطلقا حتّى يكشف ما تكشفه كلّ دابّة ما عدا الثّقلين ؛ فحينئذ يعلم أنّه قد تحقّق بحيوانيّته . وعلامته علامتان الواحدة هذا الكشف ، فيرى من يعذّب في قبره ومن ينعّم ، ويرى الميّت حيّا والصّامت متكلّما والقاعد ماشيا . والعلامة الثّانية الخرس بحيث إنّه لو أراد أن ينطق بما رآه لم يقدر فحينئذ يتحقّق بحيوانيّته . وكان لنا تلميذ قد حصل له هذا الكشف غير أنّه لم يحفظ عليه الخرس فلم يتحقّق بحيوانيّته . ولمّا أقامني اللّه في هذا المقام تحقّقت بحيوانيّتي تحقّقا كلّيا . فكنت أرى وأريد أن أنطق بما أشاهده فلا أستطيع ؛ فكنت لا أفرّق بيني وبين الخرس الّذين لا يتكلّمون . فما من عارف باللّه تعالى في كل زمان إلى يوم القيامة من حيث التجلي الإلهي عليه وانكشاف الأمر الرباني له إلا وهو ، أي ذلك العارف قائم على